أحكام الحيض 2


إعداد / حمدي طه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد
فقد بدأنا في العدد السابق الحديث عن أحكام الحيض، فعرّفنا الحيض والنفاس والاستحاضة في اللغة والشرع، وبيّنا سبب الحيض، وألوان دم الحيض، وكيف تعرف المرأة الطهر، ونكمل حديثنا عن أحكام الحيض

ثانيًا أقل سن الحيض وأقصاه

ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ أَقَلّ سِنٍّ تَحِيضُ لَهُ الْمَرْأَةُ تِسْعُ سِنِينَ قَمَرِيَّة؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْوُجُودِ وَالْعَادَةِ لأُِنْثَى حَيْضٌ قَبْلَهَا، وَلأَِنَّ مَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ وَلاَ ضَابِطَ لَهُ شَرْعِيًّا وَلاَ لُغَوِيًّا يُتْبَعُ فِيهِ الْوُجُودُ الموسوعة الفقهية الكويتية
قَالَ الإمام السيوطي قال الْفُقَهَاءُ كُلُّ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ مُطْلَقًا، وَلاَ ضَابِطَ لَهُ فِيهِ، وَلاَ فِي اللُّغَةِ، يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ وَمَثَّلُوهُ بِالْحِرْزِ فِي السَّرِقَةِ، وَالتَّفَرُّقِ فِي الْبَيْعِ، وَالْقَبْضِ، وَوَقْتِ الْحَيْضِ وَقَدْرِهِ، وَالإِحْيَاءِ وَالاسْتِيلاَءِ فِي الْغَصْبِ، وَالاكْتِفَاءِ فِي نِيَّةِ الصَّلاَةِ بِالْمُقَارَنَةِ الْعُرْفِيَّةِ، بِحَيْثُ يُعَدُّ مُسْتَحْضِرًا لِلصَّلاَةِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ الأشباه والنظائر
وإذا ما أردنا أن نجري القاعدة التي ذكرها السيوطي على أقل سنٍّ تحيض فيه المرأة، نجد أن ما ذكره الفقهاء كان على ما وجدوه؛ لذلك قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ، فَهِيَ امْرَأَةٌ وقال الشافعي أَعْجَل مَنْ سَمِعْتُ مِنَ النِّسَاءِ تَحِيضُ نِسَاءُ تِهَامَةَ، يَحِضْنَ لِتِسْعِ سِنِينَ هَكَذَا سَمِعْتُ وَرَأَيْتُ جَدَّةً لَهَا إِحْدَى وَعِشْرُونَ سَنَةً
قلت وإذا كنا قد قررنا أن الحيض هو استعداد متكرر للحمل، فالرحم يستعد كل شهر للحمل؛ فإن لم يحصل الحمل تخلص الرحم من آثار استعداده للحمل، فينزل الدم وما معه من أغذية وغير ذلك فإذا وُجدت امرأة حملت في سن أقل من تسع سنين، وقد وقع ذلك فعلاً على ما ذكره الأطباء؛ فلازم ذلك نزول دم الحيض عليها قبل ذلك، فعلى ذلك تكون العبرة في معرفة أقل سن تحيض فيه المرأة هو الوجود، فإذا نزل عليها الدم قبل التاسعة، وقرر الأطباء أن هذا الدم دم حيض حكمنا بذلك
وقد ذكر الأطباء أن هذه السن تتحكم فيها عوامل عدة، من أهمها البيئة التي تنشأ فيها المرأة، فيقل سن الحيض في البلاد الحارة عنها في البلاد الباردة، إلى غير ذلك من العوامل الأخرى التي وُجدت في كتبهم
وقد اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَكْبَرِ سِنٍّ تَحِيضُ فِيهِ الْمَرْأَةُ وَيُسَمَّى بِسِنِّ الإِْيَاسِ، واختلفوا في تحديد سن اليأس؛ لعدم النص فيه، ولاعتمادهم على الاستقراء والتتبع لأحوال النساء فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُحَدُّ بِمُدَّةٍ فقال الحنفية على المفتى به أو المختار، سن الإياس خمس وخمسون سنة، فإن رأت بعده دمًا قويًّا أسود أو أحمر قانيًّا، اعتُبر حيضًا، وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ الْخَالِصَ بَعْدَ تِلْكَ الْمُدَّةِ فَإِنَّهُ حَيْضٌ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ خَالِصًا وَكَانَتْ عَادَتُهَا كَذَلِكَ وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ لاَ حَدَّ لآِخِرِ سِنِّ الْحَيْضِ، بَل هُوَ مُمْكِنٌ مَا دَامَتِ الْمَرْأَةُ حَيَّةً وَقَال الْمَحَامِلِيُّ آخِرُهُ سِتُّونَ سَنَةً
قَال الرَّمْلِيُّ وَلاَ مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْل بِأَنَّهُ لاَ حَدَّ لآِخِرِهِ، وَالْقَوْل بِتَحْدِيدِهِ بِاثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً؛ لأَِنَّهُ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ حَتَّى أنه لاَ يُعْتَبَرُ النَّقْصُ عَنْهُ
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَقْوَالٌ لَخَصَّهَا الْعَدَوِيُّ بِقَوْلِهِ بِنْتُ سَبْعِينَ سَنَةً لَيْسَ دَمُهَا بِحَيْضٍ، وَبِنْتُ خَمْسِينَ يُسْأَل النِّسَاءُ، فَإِنْ جَزَمْنَ بِأَنَّهُ حَيْضٌ أَوْ شَكَكْنَ فَهُوَ حَيْضٌ وَإِلاَّ فَلاَ، وَالْمُرَاهِقَةُ وَمَا بَعْدَهَا لِلْخَمْسِينَ يُجْزَمُ بِأَنَّهُ حَيْضٌ وَلاَ سُؤَال، وَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ أَكْثَر سِنٍّ تَحِيضُ فِيهِ الْمَرْأَةُ خَمْسُونَ سَنَةً؛ لِقَوْل عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا «إِذَا بَلَغَتِ الْمَرْأَةُ خَمْسِينَ سَنَةً خَرَجَتْ مِنْ حَدِّ الْحَيْضِ» وَقَالَتْ أَيْضًا «لَنْ تَرَى فِي بَطْنِهَا وَلَدًا بَعْدَ الْخَمْسِينَ» وَجَاءَ فِي الإِْنْصَافِ نَقْلاً عَنِ الْمُغْنِي فِي الْعِدَدِ وَإِنْ رَأَتِ الدَّمَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ عَلَى الْعَادَةِ الَّتِي كَانَتْ تَرَاهُ فِيهَا، فَهُوَ حَيْضٌ فِي الصَّحِيحِ الموسوعة الفقهية الكويتية ، الفِقه الإسلامي وأدلته أ د وَهْبَة الزحَيْلِي
قلت ما ذهب إليه الحنفية والشافعية وهو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية من أن سن اليأس لا حد له، وأن العبرة في ذلك للوجود، وما احتج به الحنابلة من قول عائشة رضي الله عنها يُحمَل على ما رأته هي من عادة النساء في وقتها، أو أن هذا هو غالب حال النساء خاصة، وقد وجد في الواقع من تحيض وتلد بعد سن الخمسين

ثانيًا مدة الحيض

أقل الحيض وأكثره
أقل الحيض لا يتقدر أقل الحيض ولا أكثره ولم يأت في تقدير مدته ما تقوم به الحجة فقه السنة
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الأصل في هذا الكلام أن الأسماء التي عُلقت الأحكام بها في الشرع ثلاثة أقسام أحدها ما بيّن حده، ومقداره بالشرع كأعداد الصلاة ومواقيتها، ونُصب الزكوات وفرائضها، وعدد الطوفات ونحو ذلك وثانيها ما يُعلم حده ومقداره من جهة اللغة كالليل والنهار والبرد والفجر والسنة والشهر ونحو ذلك وثالثها ما ليس له حدّ في الشرع ولا في اللغة فالرجوع فيه إلى ما يعرفه الناس ويعتادونه كالجود والقبض والتفرق ونحو ذلك، والحيض شبيه شرح العمدة في الفقه
وقد اختلف الفقهاء في أقل مدة الحيض فيرى الحنفية أن أقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها، وما نقص عن ذلك، فليس بحيض، وإنما هو استحاضة ودليلهم حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي قال «أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة» رواه الدارقطني وقال ابنُ منهال مجهولٌ، ومحمد بن أحمد بن أنس ضعيفٌ ، وما زاد على ذلك استحاضة؛ لأن تقدير الشرع يمنع إلحاق غيره به الفقه الإسلامي وأدلته أ د وهبة الزحيلي
قلت وقد ضعّف علماء الحديث ما احتج به الحنفية، وعلى هذا فلا يصلح هذا الحديث دليلاً على ما ذهبوا إليه
ويرى المالكية أن لا حد لأقل الحيض بالنسبة للعبادات، فأقله دَفْقة أو دَفعة في لحظة، وأما بالنسبة للعدة والاستبراء، فأقله يوم أو بعض يوم وأما
بالنسبة للاستبراء، فَلاَ بُدَّ مِنْ يَوْمٍ أَوْ بَعْضِهِ الموسوعة الفقهية الكويتية
ويرى الشافعية والحنابلة أن أقل زمن الحيض يوم وليلة وهو أربع وعشرون ساعة، على الاتصال المعتاد في الحيض، ودليلهم الاستقراء السؤال والتتبع لأحوال بعض النساء في زمان ما الذي قام به في زمانه الإمام الشافعي رضي الله عنه وغيره؛ إذ لا ضابط له لغة ولا شرعًا، فرجع إلى المتعارف بالاستقراء، ويكون المعتمد فيه هو العرف والعادة، كما هو المقرر في القبض والإحراز، والتفرق بين المتبايعين في العقود
ويؤيدهم قول علي «أقل الحيض يوم وليلة» وقول عطاء «رأيت من النساء من تحيض يومًا»، قال النووي في المنهاج فإذا رأت المرأة الدم أقل من يوم وليلة أو بعد أكثر من مدة الحيض، كان دم استحاضة، لا دم حيض الفقه الإسلامي وأدلته أ د وهبة الزحيلي
وهذا ليس بدليل؛ لأن من النِّساء من لا تحيض أصلاً، ومنهن من تحيض ساعات ثم تطهر، يقول ابن حزم ثم نظرنا في قول من قال أقل الحيض يوم وليلة، فوجدناه أيضًا لا حجة لهم من شيء من النصوص، فان ادعى مُدّع إجماعًا في ذلك، فهذا خطأ؛ لأن الأوزاعي يقول إنه يعرف امرأة تطهر عشية وتحيض غدوة، وأيضًا فإن الآثار الصحاح كما ذكرنا عن رسول الله «إذا جاءت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغتسلي وصلّي» الحاكم وصححه ووافقه الذهبي دون تحديد وقت، وهذا هو قولنا، وقد ذكرنا من قبل بأصح إسناد يكون عن ابن عباس رضي الله عنها أنه أفتى إذا رأت الدم البحراني أن تدع الصلاة، فإذا رأت الطهر ولو ساعة من نهار فلتغتسل وتصلي المحلى
فالراجح ما ذهب إليه المالكية، واختاره كثير من محققي الحنابلة أنه لا حَدَّ لأقلِّه انظر في ذلك الشرح الممتع ، شرح الزاد للحمد
أكثر مدة الحيض
يرى الحنفية أن أكثره عشرة أيام، وما زاد على ذلك استحاضة؛ لأن تقدير الشرع يمنع إلحاق غيره به ودليلهم حديث واثلة بن الأسقع الذي سبق أن ذكرنا ضعفه
ويرى الشافعية والحنابلة أن أكثره خمسة عشر يومًا، ودليلهم أيضًا الاستقراء الذي قام به في زمانه الإمام الشافعي رضي الله عنه وغيره؛ إذ لا ضابط له لغة ولا شرعًا، فرجع إلى المتعارف بالاستقراء، ويكون المعتمد فيه هو العرف والعادة، ويؤيدهم قول علي «أقل الحيض يوم وليلة، وما زاد على خمسة عشر استحاضة» وقول عطاء «رأيت من النساء من تحيض يومًا، وتحيض خمسة عشر» وأما الْمَالِكِيَّةُ فإن أَكْثَرَهُ يَخْتَلِفُ عِنْدَهُمْ بِوُجُودِ الْحَمْل وَعَدَمِهِ فَأَكْثَرُ الْحَيْضِ لِغَيْرِ الْحَامِل خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ودليلهم على هذه المسألة هو دليلهم على المسألة السابقة وهو الوقوع
والراجح أنه لا تحديد لأقله ولا أكثره، فلو حاضت ساعة فهو حيض، ولو حاضت أكثر من خمسة عشر يومًا فهو حيض ما لم يكن استحاضة وهذا هو الأصلن وأن الدم الذي يخرج من الرحم، وهو دم حيض، له أحكام الحيض، إلا أن يدل دليل على تحديده، ولا دليل على تحديد أقله ولا أكثره، فحينئذ نبقى على إطلاق الشارع فقد أطلقه، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا شرح الزاد للحمد
قلت وقد روي عن الإمام أحمد أن أكثره سبعة عشر يومًا؛ لما ذكره عبد الرحمن بن مهدي قال أخبرتني امرأة ثقة من جيراني أنها تحيض سبعة عشر يومًا وحكى أيضًا عن نساء الماجشون أنهن كن يحضن سبعة عشر يومًا، فإذا قلنا إن العبرة في تحديد أكثر مدة الحيض بالوقوع، وصح ما نقل عن عبد الرحمن بن مهدي، فالقول بأن أكثر مدة الحيض سبعة عشر يومًا يكون هو الأقرب للصواب، والله أعلم
مسألة هل تحيض الحامل؟
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي دَمِ الْحَامِل هَل هُوَ دَمُ حَيْضٍ، أَوْ عِلَّةٍ وَفَسَادٍ؟
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ دَمَ الْحَامِل دَمُ عِلَّةٍ وَفَسَادٍ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ؛ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ قَال فِي سَبْيِ أَوْطَاسٍ «لاَ تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلاَ غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ» أبو داود وصححه الألباني ، فَجَعَل الْحَيْضَ عَلَمًا عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ قالوا فهذا الدليل يدل على أن الشارع قد جعل الحيض علامة على عدم الحمل، فإذا ثبت أنه علامة على عدم الحمل، فإن هذا يدل على أن الحامل لا تحيض إذن الشارع جعل استبراء غير ذوات الحمل بأن تحيض ليعلم أنها ليست بحامل وَقَال فِي حَقِّ ابْنِ عُمَرَ لَمَّا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلاً مسلم قالوا فقد قال أو حاملاً فدل على أن الحامل لا تحيض؛ لأنها لو كانت تحيض لاستثنى النبي كونها غير حائض، فَجَعَل الْحَمْل عَلَمًا عَلَى عَدَمِ الْحَيْضِ كَالطُّهْرِ الموسوعة الفقهية الكويتية ، شرح زاد المستقنع الشيخ حمد بن عبد الله الحمد بتصرف
وذهب المالكية والشافعية إلى أن الحامل تحيض، وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وهو أن الحامل تحيض، فمتى ما وقع ذلك فإنه حيض؛ لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ، ولِخَبَرِ دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ فِي الْحَامِل تَرَى الدَّمَ أَنَّهَا تَتْرُكُ الصَّلاَةَ، مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ إِجْمَاعًا وَإِجْمَاعُ أَهْل الْمَدِينَةِ عَلَيْهِ، وَلأَِنَّهُ دَمٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ دَمَيِ الْجِبِلَّةِ وَالْعِلَّةِ، وَالأَْصْل السَّلاَمَةُ مِنَ الْعِلَّةِ، وَلأَِنَّهُ دَمٌ لاَ يَمْنَعُهُ الرَّضَاعُ، بَل إِذَا وُجِدَ مَعَهُ حُكِمَ بِكَوْنِهِ حَيْضًا، وَإِنْ نَدَرَ فَكَذَا لاَ يَمْنَعُهُ الْحَيْضُ الموسوعة الفقهية الكويتية ، شرح زاد المستقنع الشيخ حمد بن عبد الله الحمد بتصرف
قلت والقول الأول أظهر من أن الحامل لا تحيض، وعليه الأدلة الشرعية ويؤيده ما قرره الأطباء من أن الحيض استعداد متكرر للحمل، فدل على أن المرأة إذا حملت فقد انتفى عنها السبب في نزول دم الحيض

ثالثًا أَقَل الطُّهْرِ وَأَكْثَرُهُ

والمراد بالطهر هو زمان نقاء المرأة من دم الحيض والنفاس، وللطهر علامتان جفاف الدم أو جفوفه، والقَصَّة البيضاء وهي ماء أبيض رقيق يأتي في آخر الحيض الفقه الإسلامي وأدلته
أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ حَدَّ لأَِكْثَرِ الطُّهْرِ؛ لأَِنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ لاَ تَحِيضُ أَصْلاً وَقَدْ تَحِيضُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً حَكَى أَبُو الطَّيِّبِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، أَنَّ امْرَأَةً فِي زَمَنِهِ كَانَتْ تَحِيضُ فِي كُل سَنَةٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً
وَاخْتَلَفُوا فِي أَقَل الطُّهْرِ فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَقَل طُهْرٍ بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا بِلَيَالِيِهَا؛ لأَِنَّ الشَّهْرَ غَالِبًا لاَ يَخْلُو مِنْ حَيْضٍ وَطُهْرٍ، وَإِذَا كَانَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ أَقَل الطُّهْرِ كَذَلِكَ وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ أَقَل الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ ثَلاَثَةَ عَشَرَ يَوْمًا؛ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْهُ قَدْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلاَثَ حِيَضٍ فَقَال عَلِيٌّ لِشُرَيْحٍ قُل فِيهَا فَقَال شُرَيْحٌ إِنْ جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْجَى دِينُهُ وَأَمَانَتُهُ فَشَهِدَتْ بِذَلِكَ، وَإِلاَّ فَهِيَ كَاذِبَةٌ فَقَال عَلِيٌّ قَالُونُ أَيْ جَيِّدٌ بِالرُّومِيَّةِ قَالُوا وَهَذَا لاَ يَقُولُهُ إِلاَّ تَوْقِيفًا، وَهُوَ قَوْل صَحَابِيٍّ اشْتُهِرَ، وَلَمْ يُعْلَمْ خِلاَفُهُ وَوُجُودُ ثَلاَثِ حِيَضٍ فِي شَهْرٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الثَّلاَثَةَ عَشَرَ طُهْرٌ صَحِيحٌ يَقِينًا الموسوعة الفقهية الكويتية ، الفقه الإسلامي وأدلته

رابعًا مدة النفاس

للنفاس مدة دنيا وقصوى
أما المدة الدنيا فاتّفق الفقهاء على أنّه لا حدّ لأقلّ النّفاس، فأيّ وقت رأت المرأة الطّهر اغتسلت، وهي طاهر؛ لأنه لم يرد في الشرع تحديده، فيرجع فيه إلى الوجود الفعلي، وقد وجد قليلاً وكثيرًا وقد تلد المرأة ولا ترى الدم، روي أن امرأة ولدت على عهد رسول الله ، «فلم تر نفاسًا»، فسميت ذات الجفوف الفقه الإسلامي وأدلته د وهبة الزحيلي ولما روي من حديث أم سلمة لما سألت النبي «كم تجلس المرأة إذا ولدت؟ قال تجلس أربعين إلا أن ترى الطهر قبل ذلك» سنن الدارقطني ولم يفصل بين مدة طويلة أو قصيرة شرح العمدة في الفقه لشيخ الإسلام ابن تيمية
أما المدة القصوى فيرى المالكيّة والشّافعيّة أنّ أكثره ستّون يومًا، والمعتمد في ذلك هو الاستقراء، وحكى ابن عقيل عن أحمد بن حنبل روايةً مثل قولهما؛ لأنّه روي عن الأوزاعيّ أنّه قال عندنا امرأة ترى النّفاس شهرين، وروي مثل ذلك عن عطاء أنّه وجده، والمرجع في ذلك إلى الوجود الموسوعة الفقهية الكويتية
وعند الحنفية والحنابلة أربعون يومًا، وما زاد عن ذلك فهو استحاضة، بدليل قول أم سلمة «كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله أربعين يومًا وأربعين ليلة» لكن قال الشافعية لا دلالة فيه على نفي الزيادة، أو محمول على الغالب أو على نسوة مخصوصات الفقه الإسلامي وأدلته
قال أبو عيسى التّرمذيّ أجمع أهل العلم من أصحاب رسول اللّه ومن بعدهم على أنّ النّفساء تدع الصّلاة أربعين يومًا، إلاّ أن ترى الطّهر قبل ذلك، فتغتسل وتصلّي وقال أبو عبيد وعلى هذا جماعة النّاس، وروي هذا عن عمر وابن عبّاس وعثمان بن أبي العاص وعبد اللّه بن عمر وأنس وأمّ سلمة رضي الله عنهم، وقال إسحاق هو السنة المجتمع عليها، وقال الطحاوي لم يقل بالستين أحد من الصحابة، وإنما هو قول من بعدهم، وروى الحكم بن عتيبة عن مسّة الأزديّة عن «أمّ سلمة أنّها سألت النّبيّ كم تجلس المرأة إذا ولدت؟ قال أربعين يومًا، إلاّ أن ترى الطّهر قبل ذلك» الدّارقطنيّ
قال ابن تيمية وهذا يفسر الحديث الأول، ويبين أن ذلك أمرٌ من النبي إلا إن كان ذلك عادة النساء، فإنه يستحيل في العادة اتفاق عادة أهل بلدة في النفاس، ويكون ذلك بيان أقصى ما تجلسه، وبيان ما تجتنب فيه زوجها من الوطء شرح العمدة في الفقه لشيخ الإسلام ابن تيمية
قلت وما ذهب إليه الحنفية والحنابلة أرجح؛ لقوة دليلهم، والله أعلم
وللحديث بقية في العدد القادم، إن شاء الله تعالى